عين القضاة

مقدمة 10

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

وطريقة هؤلاء في طلب العلم أحمد الطرق ، إلّا أنهم إذا قطعوا منازل العلم ظنّوا أنهم وصلوا إلى الكمال الكلّى فيما هم بصدده . وغرور هؤلاء بما حصّلوه من العلوم النظريّة عظيم ؛ فإنهم يظنون أنّ تحصيل العلم باللّه وصول اليه ، وهو عين السعادة المطلوبة فترى الواحد منهم يكبّ طول الليل والنهار على طلب الدنيا وشهواتها ، ويزعم أن ذلك لا يضرّ أمثاله ، وأنه سعى منه في طلب علف البعير ، وامتثال لأمر اللّه - عز وجل - حيث يقول : « وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا » . وهذه حماقة عظيمة يصعب الخلاص منها إلّا لمن تأخذ بضبعه عناية أزلية . وهؤلاء أيضا لا ينتفعون بمطالعة هذا الكتاب ؛ فتراهم إذا نظروا فيه يتحذلقون ويقولون : نحن إذا لم نقلّد الأنبياء من غير برهان يقوم على صدق ما يقولونه ، فما بالنا نقلد غيرهم ؟ وأىّ فرق بيننا وبين سائر العوام إذا قلّدنا واحدا من غير بصيرة سواء كان نبيّنا أو غيره . وهذه مهلكة عظيمة هلك فيها النظار الّا من عصمه اللّه بفضله ، وقليل ما هم . ونعم الطريق طريق النظر ، لو لم يكن فيه أمثال هذه المهالك ؛ ومن زعم أنه يسلك ذلك الطريق ولا تضرّه تلك المهالك ، فهو جاهل ؛ وسيعلم حقيقة ما ذكرته في سلوكه ولا ينفعه العلم . القسم الرابع : شرذمة قليلة يسلكون طريق العلم النظري ، فإذا فرغوا من قطع عقباته ومنازله ، لم يشف ذلك غليل طلبهم شفاء كليّا . ومن حصل له علم ضرورىّ يقيني بوجود الباري - تعالى وتقدّس - وبوجود صفاته فسكنت بذلك فورة طلبه ، فليس هو من القوم المشار إليهم أصلا ؛ فهؤلاء لا يزيدهم التبحّر في العلوم الّا جدا في الطلب وتشوّقا إلى مزيد الاستبصار ، وتطلّعا إلى ما وراء العلم والعقل من كشف ذوقي